الثلاثاء، ٢١ نوفمبر ٢٠٠٦

السفينة الذهبية ـ قصة قصيرة ل محمود البدوى


السفينة الذهبية
قصة محمود البدوى

بيتنا فى بورسعيد ، وعندما وقع الاعتداء علينا فى سنة 1956 كنت بعيدا بآلاف الأميال عن الأهل والوطن .. كنت هناك فى مدينة " هونج كونج " ..

وقرأت الخبر فى جريدة ( جنوب الصين ) وأنا أعض على النواجذ .. فأنا بعيد جدا عن جو المعركة ولا أستطيع أن أفعل شيئا من أجل وطنى .. وليس فى إمكانى أن أطلق رصاصة واحدة فى صدر الأعداء ..

وقدر علىَّ أن أكون سائحا يتنزه ووطنى تشتعل فيه النار .. فما أشد العذاب ..

ولكن الشرارة أصابتنى من بعيد فقد انقطع عنى المال ..
ولم يكن فى جيبى غير دولارات قليلة ، لا تعيشنى أكثر من عشرة أيام إذ كنت فى نهاية أكتوبر أنتظر المدد من بورسعيد لأرحل .. وهأنذا أصبحت بتصاريف القدر وحيدا شريدا فى هذه المدينة وما أعرف إنسانا فيها يمدنى بسنت واحد فكيف أعيش .. ؟؟

وفكرت فى تغيير الفندق الذى أقيم فيه فى الحال .. وكان يقع فى جزيرة ( كولون ) والبحث عن أرخص فندق فى " هونج كونج " إذ أن الفنادق فيها أرخص ..

وعبرت الخليج فعلا والساعة تتجاوز العاشرة صباحا .. وسرت فى شارع ( دى فو ) متمهلا متطلعا إلى اللافتات .. والناس فى حركة سريعة نشطة على الرصيف كأنهم سيلحقون آخر قطار ..

وظللت أسير حتى اقتربت من سوق الخضار وأصبحت اللافتات كلها مكتوبة باللغة الصينية وعجزت عن فهم حروفها ..

وكان الجو حارا وخانقا لشدة الرطوبة وأحسست بالعرق فى يدى على مقبض الحقيبة .. فوقفت ألتقط أنفاسى وأعرف مستقرى .. بعد أن تبينت أننى دخلت فى أزقة ملتوية أشبه بأزقة ( أبردين ) ..

وكان أصحاب الدكاكين يتصورننى بائعا جوالا .. فأخذوا يسألوننى فى كل خطوة عما أحمل .. فكنت أجيبهم بأنى مجرد عابر سبيل ..

وأخيرا وجدت لافتة مطموسة على باب ضيق .. ودخلت فى طرقة معتمة ملتوية .. وكلما تقدمت خطوة شعرت بالظلام يزداد كثافة .. مع أن الشمس كانت طالعة .. وأحسست بالخوف من شىء جعلنى أفتح عينى جيدا وأحس من فرط الفزع بضربات قلبى كأنها ضربات آلة قوية ..

وصور لى الخيال المحلق الفنادق الرهيبة التى تحدث عنها " ادجار الن بو " فى قصصه وتصورت هذا واحدا منها .. ظل قائما عبر السنين فى هذا المكان .. وازداد رعبى فوقفت تماما لأستدير وأعود ..

وهنا سمعت صوتا بالإنجليزية .. صوتا خافتا خيل إلىَّ أنه ينبعث من أعماق جب .. ولكنه كان على أى حال صوت إنسان وتبع الصوت خطوات بطيئة لينة فى اتجاهى ..

وكان أول شىء رأيته فى وجه الشخص الذى استقبلنى فمه المفتوح عن سنتين ذهبيتين .. ثم ملامح صينية خالصة .. واستقبلنى الرجل ببشاشة .. وإن كانت عيناه ظلتا لمدة نصف دقيقة مفتوحة وتنظر إلىَّ بعمق وكأنها تنظر لتعرف فى لحظات خصائصى كمخلوق بشرى ..

ومن حديثى القصير معه تبينت طيبة نفسه وكانت كل التصورات السابقة مجرد أوهام سبحت فى عقل مرعوب .. وفى دقائق أعاد إلىَّ السكينة المطلقة .. وأعطانى مفتاح غرفة رخيصة بسبعة دولارات هونج كونجى فى اليوم ولم يطلب دفع شىء مقدما ..

وكانت الغرفة فى الطابق الخامس ولا يوجد مصعد فى البناية ولكنى رضيت بها ولم تكن نافذتها الخلفية الوحيدة تطل على شىء بهيج .. على أن الغرفة على صغرها كانت بالغة الحد فى النظافة ..

وكان فى الجناح الذى أقيم فيه ست غرف على صف واحد .. ألفيت أبوابها كلها مغلقة ولا تدل على وجود سكان ..

ولم يكن الفندق مستعدا للطعام فكنت آكل فى المطاعم الشعبية الرخيصة المزدحمة بالعمال والحمالين وسائقى عربات الركشا وما كنت أفهم حرفا واحدا من حديثهم ومنهم من كان يرافقنى فى مائدة واحدة ..

ولكن وجوههم تبدو على اختلاف السحن متآلفة ويربطهم الرباط الذى يضم الفقراء والتعساء فى العالم ..

* * *

وكنت متلهفا على أخبار بلادى ولكنى أعيش فى مستعمرة بريطانية فكيف تصل إلى الحقيقة .. ؟؟

لم أكن أقرأ إلا جريدة ( جنوب الصين ) وكانت معظم برقياتها من رويتر ووكالة طوكيو للأنباء .. وعشت فى دوامة .. ولكننى ألفيت نفسى بعد عشرة أيام من الآلام المضنية أتحمل الموقف فى صلابة وأترك الأيام تجرى فى أعنتها ..

ولم أكن أقدر الهوان قط .. وظلت قاهرة المعز بمساجدها وكنائسها وقبابها ، وقلاعها .. وحصونها .. شامخة وعالية وجبارة .. ولن يقهرها أحد ..

ولم تهتز الصورة فى ذهنى أبدا .. بل ظلت متألقة وحية ..

وكنت أتحرك باعتدال وأحاول الاقتصاد فى كل خطوة .. وأبتعد عن جو الملاهى والمواخير وعن النساء ..

وخلال الساعات القاسية التى تحس فيها النفس بالموات .. كنت أذهب إلى ( كولون ) أو أتجول حول عربات الركشا التى تتقاتل على السائحين .. أو أذهب إلى الميناء وأقف على الرصيف أشاهد البواخر الضخمة وهى تفرغ حمولتها من الطرود الثقيلة أو تحمل بمثلها .. والعمال على الآلات الرافعة يبدون من بعيد كالعصافير ..
والميناء تتحرك كخلية النحل حركة جبارة ..

كان المنظر كله يشوقنى .. عرق العامل وزيت الآلات ودوى المحركات .. وصياح العمال وصفير البواخر .. كأن الدنيا لا تستريح ساعة ..
وكانت هذه التجولات تنسينى وحدتى ومتاعبى ..

* * *

وفى كل صباح كنت أحصى الدولارات التى فى جيبى قبل أن أخرج من غرفتى ..
وكان ذهنى يتفتق فى كل ساعة عن مخرج لحالتى ..

ففكرت أن أشتغل فى أحد البنوك وما أكثرها فى المدينة .. أو فى متجر وأنا أجيد الإنجليزية والفرنسية فإذا ضاقت بى سبل العيش سأشتغل ملاحا فى سفينة حتى أصل إلى ميناء عربى ..

* * *

وذات ليلة لمحت وأنا أدخل غرفتى رجلا طويلا يدير المفتاح فى الغرفة الملاصقة لى .. وكان أول ساكن أراه فى الجناح الذى أقيم فيه .. وأعطانى ظهره فلم أتبين ملامحه ..

* * *

ومرت أيام قليلة وبدأت أشعر بالفراغ والضيق .. ولم تستطع مباهج المدينة أن تمسح لوعتى .. وكتبت رسالة لأهلى لأعرف أحوالهم ولكننى لم أتلق ردا ، وأصبحت أحتبس فى غرفتى بعد أن كنت لا أطيق البقاء فيها ساعة ..

وبدأ الخوف من الجوع يعاودنى بشكل يثير الرعب .. فقد طرقت كل أبواب العمل فلم أوفق إلى شىء قط ، سدت الأبواب فى وجهى .. وغدت كل الوسائل التى فكرت فيها من قبل كمورد للرزق مجرد أحلام ذهبت مع الريح ..

* * *

وأصبح المال القليل الذى تبقى معى هو بمثابة حياة لى .. ولهذا حرصت على أن أحمله ولا أتركه فى غرفتى لأنى كنت أعرف من سفرى الطويل لصوص الفنادق ..

وقد جعلنى الاقتصاد فى النفقات أتعشى فى غرفتى حاملا معى فى كل ليلة أرخص الأطعمة فى السوق .. وبعد العشاء كنت أخرج إلى بهو الفندق لأشرب القهوة وأستمع إلى الموسيقى الصينية التى تذاع فى الراديو ..

وفى كل الحالات كنت أجد نفرا من النزلاء جالسين حول موائد متباعدة يشربون الخمر .. ولكنى لم أكن أختلط بأحد منهم .. وشاهدت جارى الذى رأيته من قبل وهو يدخل غرفته .. يجلس هناك فى الركن ويشرب وحده ..

وبدا لى من جلسته ، فارع الطول ، نحيفا وعروقه بارزة من عنقه وكانت صفحة وجهه إلى ناحيتى فبدت التجاعيد وخطوط السن .. وبشرته البيضاء الناعمة التى لوحتها الشمس كثيرا ..

وكانت عيناه ضيقتين وساكنتين ويظلهما هدب غزير أشهب كشعره كله ..

ومن ملامحه قدرت أنه أوروبى أو أمريكى لف الدنيا ثم حط رحاله فى هذه المدينة ..

وكان قليل الكلام مع الفتاة التى تقدم له الخمر .. وبدا من سكون جوارحه أنه شرب فى هذه الليلة كثيرا ..

وظل يشرب حتى انصرف النزلاء إلى حجراتهم .. وبقى وحده ..

وخرجت لأشترى علبة سجائر ولما عدت كان يصعد السلم أمامى إلى غرفته .. وظهر من حركات رجليه أنه لا يكاد يتماسك وكان يسقط فعلا فسندته بذراعى وظللت معه حتى أدخلته غرفته وشكرنى بحرارة على الباب ..

وأصبحنا نتلاقى بعد ذلك كثيرا .. فى الطريق .. وفى الميناء .. وعرف اسمى .. ولما سألنى عن جنسيتى قلت له إننى " تركى " .. وخشيت أن أقول له أننى مصرى لأننى حسبته إنجليزيا ونحن فى حالة حرب ..

ثم تبين لى أن الرجل لا يهمه من أكون وأنه فرغ من الدنيا ويعيش على هامش الحياة جواب آفاق ..

فقد رأى الهند .. والصين .. واليابان .. وأخيرا حط رحاله فى هونج كونج .. ولا يدرى إلى متى سيبقى ..

* * *

وفى مساء اليوم التالى بدا منشرحا مرحا وأخذ يفيض بمرحه على كل من يقابله فى البهو ..
وسألنى :
ــ هل أنت تاجر .. ؟
ــ أجل .. وجئت لأشترى صفقة من الحرير الصينى ..
ــ وهل تشترى الماس .. ؟
ــ إذا كان نادرا ..
ــ لدى قطعة نادرة من الماس لا تقدر بثمن .. هل تحب أن تراها .. ؟

وضحكت وأنا أحدق فى وجه الرجل الكهل وقد جرى فى عروقه دم الشباب وهو يتحدث عن الماس ..

ويسألنى متعجبا :
ــ لماذا تضحك .. ؟
ــ لأنك وقعت على أوعر أرض رن عليها حافر ..
ــ لا أفهم شيئا ..
ــ أعنى أنك وقعت على أفلس رجل فى الوجود ..

وأخذت أروى له قصتى .. وكيف جئت إلى هونج كونج .. وفوجئت بالحرب فى بلادى وتقطعت بى الأسباب ..
ــ لا تبتئس فأنت شاب تتحدث بأكثر من لغة وتستطيع أن تجد عملا .. فلا تفكر فى الموت جوعا ..
ولكنى كدت أموت من الجوع فعلا .. بعد أن سدت فى وجهى كل وجوه العمل ، وشعرت بالقنوط ، وكادت تقهرنى الحياة ..

ودخلت غرفتى مرتميا على الفراش وأنا أتصبب عرقا .. وفكرت فى الموت بدل الهوان وتمنيت المرض بالحمى لأموت ميتة طبيعية .. بدلا من الانتحار ..

ولكننى لم أمرض قط فى هذه الفترة المظلمة من حياتى رغم أننى كنت آكل أردأ الأطعمة ..

وظللت أفكر .. وأحدق فى سقف الغرفة .. وأتصور النزلاء الذين كانوا قبلى ومن سيأتى منهم بعدى .. أنهم سينامون على نفس السرير .. ومنهم الشريد والمحتال والطيب والشرير .. العبقرى الفذ والرجل الذى لا وزن له فى الحياة ولا قيمة ، سيرقدون على هذا السرير .. نفس السرير الذى يتغير ويستقبل فى كل يوم أو شهر نزيلا جديدا ..

وأحسست بالعرق غزيرا والحرارة خانقة .. فنهضت لآخذ حماما .. وخرجت إلى الطرقة المؤدية إلى دورة المياه ..

ولمحت وأنا راجع فى الغرفة الملاصقة لغرفة جارى من الناحية الشرقية .. وفى ضوئها الشاحب شابة صينية تجلس مسترخية على كنبة .. وقد جعلتها الرطوبة والحرارة لا تحس بوجودى ..
ولم أعرها اهتماما .. فما أكثر الفتيات فى هونج كونج ..

ثم أصبحت أراها كلما مررت فى الطرقة متخذة نفس الوضع وبابها مفتوح ..

ولعلها متضايقة من الجو القابض .. والرطوبة فى هذا الفصل من السنة .. لأن غرفتها صغيرة ولها نافذة خلفية تطل على مصنع للجلود .. وفوقه مكاتب الإدارة فأغلقت الفتاة النافذة حتى لا تشاهدهم ولا يشاهدونها فى مباذلها ..

وكانت لا تبرح غرفتها إلا قليلا .. وتقوم هى بتنظيفها بنفسها وترتيب فراشها ..

وشاهدتها ذات مرة راكعة تحت السرير وممسكة بالمجرفة .. ولما وقع بصرها علىّ احمر وجهها وغدا فى لون الأرجوان ..

* * *

وحملت بذلة جديدة وقمصانا ومنبها موسيقيا وساعة وكل ما قررت الاستغناء عنه من متاعى لأبيعه لتاجر صينى .. فى شارع ( تشين رود ) وأعطانى ثلاثمائة دولار هونج كونجى وسررت جدا وكان هذا المبلغ عندى يساوى ثلاثمائة جنيه استرلينى ووضعت المبلغ فى جيبى وركبت الباخرة إلى كولون لأشرب الشاى فى مشرب هادئ جميل كنت أتردد عليه عندما كنت ساكنا هناك ..

ولما اتخذت مقعدى رأيت الفتاة الصينية جارتى فى الفندق وكانت جالسة على مقعد فى الدرجة الثانية مثلى ولما بصرت بى ابتسمت وأحنت رأسها بحركة خفيفة ولا أدرى كيف عرفتنى وهى محبوسة فى غرفتها المظلمة دوما ..

* * *

وقضيت النهار كله فى كولون ، ولما عدت إلى الفندق فى المساء وجدت جارى ( البرت ) .. جالسا فى البهو .. وبجانبه القبعة التيلية التى يرتديها فى النهار ..

وأخذ يحدثنى عن المدن التى شاهدها منذ عشرات السنين .. وكأنه رآها بالأمس ، كان يحب الأسفار حتى غدت متعته الوحيدة ..

وسألنى فجأة ..
ــ هل تحب أن أريك الماسة .. ؟؟
وصعدنا إلى غرفته ..

وتناول محفظة جلدية أنيقة من الدولاب .. وأرانى ماسة مضلعة زرقاء .. أكبر من أن توضع فى خاتم .. ويمكن أن يزين بها صدر حسناء .. ليست ككل الحسان .. أو توضع على قمة الفصوص فى تاج امرأة .. امرأة ملكة على النساء جميعا ..

وأدارها فى يده .. فغابت الزرقة .. وأصبحت تشع كل ألوان قوس قزح مجتمعة .. وكلما حركها .. ازدادت فتنة ..
وفى كل وجه من وجوهها وهى تتحرك رأيت صور البشر .. بخيرهم وشرهم وآمالهم وأحلامهم ويأسهم وقنوطهم ..

وسألنى وهى لا تزال فى يده وعيناه تحدقان فيها :
ــ كم تقدر .. لهذه الماسة .. ؟
ــ لا أدرى .. فلست من تجار الماس وما لمسته يدى قط ..
ــ خمن ..
ــ مائة جنيه استرلينى ..

فضحك وقال :
ــ أنها تساوى أكثر من خمسة آلاف جنيه استرلينى ..
ــ ولماذا لا تضعها فى خزانة بنك .. ؟
ــ وماذا أفعل .. إذا غيروها بماسة زائفة .. أنت لا تعرف شيئا عن الماس ..
ــ ولماذا ترغب فى بيعها .. والاحتفاظ بها أحسن ..؟
ــ هذا صحيح .. ولكنى وحيد .. فقد فقدت أسرتى وتجارتى فى الحرب العالمية الثانية ..
وكانت الصدمة قاسية .. ولكن الأيام كفيلة بمسح الأحزان وانتهت الحرب ولم أفكر فى الزواج ..

وأشعل سيجارة وصمت .. كان يسترجع الذكريات .. ثم أضاف وقد تغيرت نبرات صوته ..
ــ ولما بلغت الشيخوخة صفيت أعمالى وأخذت أسيح فى العالم أجمع .. وقد رأيته كله .. حتى بلدك مصر رأيتها .. ومن طوكيو .. اشتريت هذه الماسة .. ولما حططت رحالى فى هونج كونج .. ورأيتها بهذا الجمال .. استقر قرارى على أن أبقى هنا ما شاءت لى الحياة ..
ــ لقد أحسنت الاختيار .. إنها مدينة جميلة حقا ..

قال فى صوت الحالم ..
ــ وفى هذه المدينة أخذت أفكر .. ما حاجتى إلى الماسة فى هذه السن .. ؟
سأستبدل بها شيئا جميلا أخذ على مشاعرى واستغرق كل تفكيرى .. سأبيع الماسة وأشترى بثمنها سفينة ذهبية ..
ــ سفينة ذهبية ..؟
ــ أجل ، هل ذهبت إلى ( أبردين ) وأكلت السمك فى السفينة العائمة .. ؟ ورأيت هؤلاء الناس الفقراء البسطاء الذين يعيشون ويموتون فى الماء دون أن يشعر بهم إنسان .. ؟
ــ نعم ذهبت .. وشاهدتهم ..
ــ سأعيش فى السفينة الذهبية مثلهم أعيش وأموت فى الماء ..
ــ وهل عثرت على السفينة ..؟
ــ أجل .. إنها فى الخليج .. وسأشتريها بعد أيام قليلة وأحقق أحلامى ..

وكان قد طلب زجاجة من البراندى .. وابتدأ يشرب .. وقدم لى كأسا فاعتذرت .. وحييته وصعدت إلى غرفتى ..

ويظل البرت فى مكانه إلى ساعة نومه .. كان نادر الخروج فى الليل .. ومن الساعة التاسعة تراه فى البهو يشرب الخمر .. ويتحدث مع من يألفه من السيدات النزيلات فى الفندق .. أو اللواتى يأتين من الخارج فى ساعات الليل ..
ومع أنه جارى ولكننى لم أشاهد قط امرأة فى غرفته ..

ومرت الأيام .. وهدأت نفسى القلقة بعد بيع حاجاتى ووجود دولارات معى تكفينى عدة أيام ..

وسررت جدا لما رأيت فى جريدة ( جنوب الصين ) خبر وقف القتال فى بلادى وأن الأعداء أخذوا يرحلون عن بور سعيد .. وهزتنى الفرحة فكتبت رسالتين لوالدى أعرفه بحالى وأبدى له رغبتى فى العودة ..
ثم أخذت أتجول فى المدينة ..

* * *

واستيقظت فى صباح يوم من أيام ديسمبر على زعيق جارى ( البرت ) وجريت نحوه .. وأنا أتصور أن النار اشتعلت فى ملابسه ..
ووجدته جالسا فى غرفته يرتعش ووجهه فى لون الرماد .. وقد برزت تجاعيده .. وأصبحت عيناه فى لون الجمر ..

وكان متهالكا على الكرسى بالبيجامة .. وقميصه أنشق عن صدره الهزيل .. ورجلاه متدليتان كالمشلولتين ..

ولما دخلت لم يتحرك وظل فى مقعده ورفع وجهه برهة ورأيت الدموع فى عينيه وأطرق ليخفى دمعة ..
وعرفنى أن الماسة سرقت .. ولا يعرف السارق ..
فالغرفة يدخلها معظم الخدم فى الفندق ..

ودارت عيناى فى الغرفة .. تتفحص الدولاب والكنبة .. والطاولة .. والسرير .. ثم جلست بجانبه وأخذت أحادثه وأخفف عنه وقع السرقة بكل فنون الأحاديث ..

وكان الكرسى الذى أجلس عليه قريبا من السرير فلمحت على فراشه شعرتين طويلتين .. من شعر النساء .. وآثار جسم فى المكان المجاور له على المرتبة ..
ولم أشأ أن أحرجه وأسأله عن المرأة التى قضت الليلة معه ..

وقلت له :
ــ بلغ البوليس ..
ــ وهل هذا يجدى .. والخدم فى الفندق يتغيرون كثيرا .. وهناك النساء اللواتى يأتين من الخارج .. ولا يعرف الفندق عنهن شيئا .. وأكثر من واحدة منهن قضت الليل معى ..
وكان اعترافه مذهلا .. فلم ألاحظ عليه هذا .. وحسبته يكتفى بالحديث مع النساء ..

ولما علم كاتب الفندق بخبر السرقة جاء إليه وتجمع الخدم على الباب ..
وكانوا جميعا يطلبون إبلاغ البوليس ..
ولكن البرت رفض ..

* * *

وفى الليل لم يخرج إلى البهو كعادته .. وزرته فى غرفته .. ووجدته على حاله من الألم .. فأخرجت مائة دولار من جيبى وقدمتها له ..

فرفضها بشدة وسألنى :
ــ من أين هذا المال وأنت مفلس ..
وحدثته عن الأشياء التى بعتها ..

فظهر على وجهه الألم وقال :
ــ إن ما حدث قد حدث .. ولكن أرجو ألا تبيع شيئا آخر .. وفيما يتعلق بى فأنا معى من المال ما يكفينى والماسة كانت بالنسبة لى حلما .. ولكنه حلم ليل وذهب مع تباشير الصباح ..
وتركته .. بعد أن هدأت حاله قليلا ..

* * *

ومرت الأيام .. وسمعت نقرا خفيفا على باب غرفتى وأنا أتهيأ للنوم فنهضت لأفتح الباب ووجدت جارتى .. واقفة فى الضوء الشاحب .. مرتدية روبا حريريا مشجرا ثنته عند صدرها وتركت شعرها الأسود الطويل ينسدل وراء ظهرها متموجا شديد البريق ..

وقالت وكأنها ترانى لأول مرة :
ــ هل يمكن أن تعطينى جريدة ( جنوب الصين ) لحظات .. لقد رأيتها معك فى الصباح ..
ــ تفضلى ..
وأعطيتها الجريدة وانسابت وأنا لا أسمع صوت خفها ..

وعادت بعد نصف ساعة لترد لى الجريدة .. وقالت بصوت ناعم وإنجليزية سليمة :
ــ إن غرفتك جميلة وواسعة .. وليست كغرفتى الصغيرة .. الخانقة ..
ــ ولماذا لا تأخذين مثلها .. وهناك غرف خالية كثيرة ..
ــ ومن أين أدفع وأنا فقيرة .. إن غرفتى بخمسة دولارات .. وأنت تدفع ضعف ذلك ..
ــ سأدفع سبعة فقط ..
ــ لقد أكرمك ( منج ) لأن إقامتك طويلة ويعرف أنك مصرى .. أعطنى سيجارة ..

وأخذت تدخن .. وهى واقفة .. وبدت متوسطة الطول رشيقة القامة .. وبشرتها الناعمة تتأذى حتى من لمس الحرير الذى على جسمها ..

وقالت بعد صمت :
ــ هل رأيت جارنا النمسوى العجوز ( البرت ) .. إنه مسكين حقا .. كيف ضاعت منه الماسة .. هل يتصور شخص فى الدنيا أن عنده ماسة .. لعله .. يكذب ليستدر عطف النزلاء .. لقد رأيتك وأنت تقدم له الدولارات .. إنه محتال وأنا أعرف حيل هؤلاء العجائز ..
ــ لا تظنى بالرجل الظنون .. فهو صادق .. وقد رأيت الماسة بعينى ..
ــ ونادرة كما يقول ..
ــ أجل .. من الماس النادر ..

وعادت تتطلع إلى الغرفة .. ثم جلست وكانت السيجارة لا تزال مشتعلة فى يدها ..
ــ إن غرفتى خانقة .. هل تسمح لى بأن أقضى الليل معك ..
ــ آسف .. أنا ..
ــ ماذا .. ؟!
ــ مفلس ..
ــ مفلس .. وكيف قدمت الدولارات للنمسوى العجوز .. إذن ..
ــ هذا شىء آخر .. وما زلت مفلسا ..
وظلت تبتسم ويدها تعبث بطرف ثوبها .. ثم خرجت ..

* * *

وفى ليلة من ليالى الخميس ألفيت ( البرت ) فى البهو .. وكان متهلل الوجه يضاحك كل من يراه .. بنشاط ومرح وكأنه عاد إلى شبابه .. وأخبرنى أنه وجد الماسة أمس بجانب سريره لما دخل غرفته لينام ..
وابتهجت لهذا جدا ..

وفى يوم السبت الذى بعده دخلت مشربا للشاى فى شارع ( كوين رود ) وكانت الساعة لا تتجاوز الثامنة مساء فرأيت وأنا أكتب رسالة لوالدى .. جارتى فى الفندق جالسة إلى مائدة وحدها ولم أشاهدها وأنا داخل .. لأنها كانت منزوية فى ركن وحييتها ..

وجلست معها بعد أن فرغت من الرسالة .. وبعد حديث طويل قلت لها :
ــ هل ترافقينى غدا فى رحلة بالقطار .. ؟ إلى لو و ..
وسألت بخبث ..
ــ وهل معك نقود .. ؟
ــ أصبح معى ..
ــ كيف .. هل سرقت البرت العجوز .. ؟
ــ قد وجدت عملا ..
ــ حقا .. أين ..؟
ــ فى مكتب " وانج لى " للسياحة بشارع هليوود رود ذهب معى البرت إلى صاحب المكتب صباح الجمعة فشغلنى على التو ..
ــ وسيدفع لك أجرا مجزيا .. ؟
ــ بالطبع أجرا عاليا ولكن هذا لا يهم .. المهم أن أرافق السائحات ..

وظهر على وجهها الغيظ لحظات ولكنها كتمته ببراعة وابتسمت ..

ومرت الفتاة العاملة فى المشرب بجانبنا ترفع أقداح الشاى وكان شعرها أسود متموجا جميلا .. ولاحظت مرافقتى أننى أطيل النظر إليه ..

فقالت :
ــ شعرها جميل .. ؟
ــ إلى حد .. ولكننى وجدت شعرتين سوداوين أكثر جمالا على فراش ( البرت ) العجوز فى الصباح الذى اكتشف فيه ضياع الماسة فى نعومة شعرك وجماله وطوله ..

وحدقت فى وجهى باستغراب .. ثم انطلقت تضحك حتى اهتز صدرها ..

وقالت برقة :
ــ صحيح .. هل حدث هذا .. ؟
ــ أجل .. والشعرتان معى ..
ــ ولماذا تحتفظ بهما ..؟
ــ لأنهما تذكار جميل ..
ــ وهل عرفت صاحبتهما ..؟
ــ أجل .. فلا يوجد شعر فى هذا الجمال .. وهذا الطول .. غير شعر نزيلة واحدة فى الفندق ..

وصمتنا مدة طويلة لا ننطق بحرف .. وساعد على الصمت هدوء المشرب .. والستائر الحريرية المسدلة فى كل الزوايا .. والإضاءة الخفيفة والموسيقى الصينية .. الناعمة ..

وأخيرا حركت شفتيها وهى لا تنظر ناحيتى كأنها تحدث شخصا آخر ..
وقالت :
ــ تحدث أشياء فى نفس الإنسان لا يستطيع تفسيرها .. ولا تعليل جزئياتها الصغيرة ، وتراه يفعل الشىء وضده فى وقت واحد .. الخير .. والشر .. معا ويتغير ويغير نهجه فى الحياة لأبسط الأشياء التى تحدث .. أشياء بسيطة ولكنها تحركه وتجعله ينتفض ..

وعندما رأيتك تقدم النقود لالبرت العجوز وأنت على حالك من الإفلاس .. وتحتاج لكل سنت منها أصابتنى رعشة .. ولم أستطع التخلص من الأفكار التى ألحت على وظلت تلح وأخيرا فعلتها .. ولم أندم .. أنا سعيدة جدا ومن الفرحة أحس بخفقان قلبى ..
ــ إنك نبيلة .. وهذا كرم كبير منك .. فما كان أحد يعرف اليد التى امتدت وأخذت ولقد طويت الصفحة .. وكاد ( ألبرت ) ينسى ..

وأشعلت سيجارة أخرى وسبح الدخان الأزرق فى خيوط وتبعته ببصرى وسألتنى وهى تتكئ بكوعها على المائدة :
ــ وإذا وصلتك النقود من مصر .. سترحل وتترك الوظيفة .. ؟
ــ طبعا .. مع أن الوظيفة ممتعة للغاية ..
ــ ترحل .. وأنا لم ألمس حتى يدك أو أعرف اسمك ..؟
ــ اسمى جعفر .!
ــ وأنت بماذا أسموك .. بكل ما فيك من جمال .. ؟
ــ " يه ونج " .. وستضع " يه ونج " شعرها كله على وسادتك الليلة ..

وبارحنا المشرب وأخذنا نسير متمهلين فى اتجاه الميناء .. وقد بدت المدينة راقدة فى الليل على التلال وساكنة وصدرها يلمع بحبات الزمرد ..
ولا أحد يعرف ما يجرى فى جوفها من فعل البشر ..

================================
نشرت بمجموعة قصص لمحمود البدوى وتحمل عنوان القصة " السفينة الذهبية " فى عام 1971
وبمجموعة " قصص من هونج كونج " من تقديم واعداد على عبد اللطيف و ليلى محمود البدوى ـ الناشر مكتبة مصر 2001
===============================


ليست هناك تعليقات: